رئيس الاتحاد خلال مشاركته بالتظاهرة المركزية امام وزارة المالية : نسب إنجاز المشاريع في البصرة تجاوزت 90%
   |   
مواد طبية ومخدرات ضبطت في منفذي ميناء أم قصر والشلامجة
   |   
محافظ البصرة برفقة رئيس مجلس الوزراء يفتتحان الجسر المعلق بمحافظة البصرة الذي يربط بين طريق المطار السريع والمدينة الرياضية بمحافظة البصرة
   |   
مدير مرور البصرة : استقرار الحالة الصحية لمفوض المرور الذي دهسته شاحنة أثناء تأديته الواجب
   |   
النائب الاداري لمحافظ البصرة يواصل متابعة إجراءات التعاقد الخاصة بـ(13,000) درجة وظيفية
   |   
مديرية زراعة البصرة تعلن تسوق أكثر من 800 الف دجاجة للاسواق المحلية خلال شهر آذار الجاري
   |   
طريق الشلامجة ..حادث جديد .. حوادث سير يومية بسبب الاستدارات
   |   
ضبط 15 طنا مواد كيميائية شديدة الخطورة منتهية الصلاحية في البصرة
   |   
تنفيذًا لتوجيهات محافظ البصرة... العامري يواصل متابعة إجراءات التعاقد مع الفائزين بـ(13) ألف درجة وظيفية
   |   
العامري: فتح الفتحة الملاحية لجسر الشهيد كنعان التميمي لعبور القطع البحرية الجمعة المقبلة
   |   

ابحث في الموقع

تابعونا على الفيسبوك

اعلانات


الماء في العراق"غير صالح للشرب": "كوكتيل سموم" من "المياه الآسنة" والمعادن الثقيلة

 

مع تصاعد الشكاوى من تغيّر طعم ورائحة مياه الإسالة في أحياء واسعة من العاصمة بغداد ومحافظات أخرى. خلف هذا القلق الشعبي تقف أرقام دولية مقلقة، ودراسات عراقية تحذّر من تلوّث كيميائي وميكروبي حاد، وتجربة مريرة في البصرة ما زالت تُستخدم كنموذج لما يمكن أن يحدث حين تنهار منظومة الماء وتختلط بالمجاري والملوثات.

 

أرقام دولية: وصول للماء لا يعني ماءً آمنًا

تقدّر منظمات أممية، بينها يونيسف، أن نحو 3 من كل 5 أطفال في العراق لا يملكون وصولًا إلى خدمات مياه شرب “مُدارة بأمان”، أي أن أقلية فقط من السكان تشرب ماءً مطابقًا للمعايير الصحية الحديثة في المنازل. وتذكر بيانات رسمية ليونيسف أنّ حوالـي 39٪ فقط من العراقيين لديهم مياه شرب "آمنة" في بيوتهم، فيما يعتمد الباقون على شبكات متهالكة، أو صهاريج، أو آبار وأنهار غير خاضعة لرقابة كافية.

 

هذه المعطيات تعني أن وصول الماء إلى الحنفية لا يساوي بالضرورة صلاحيته للشرب، لا من الناحية الكيميائية ولا من ناحية السلامة الميكروبية، في بلد تنهك بناه التحتية الحروب والإهمال والفساد.

 

تلوّث متعدد الطبقات: مجارٍ- أملاح- معادن ثقيلة- وبكتيريا

تحذر تقارير حقوقية وبيئية من أن مياه العراق – خصوصًا في الأنهار الرئيسة – ملوّثة بالنفط، والمخلفات الطبية، ومياه الصرف الصحي غير المعالجة، والنفايات الصناعية والزراعية التي تُرمى مباشرة في دجلة والفرات وشط العرب، إضافة إلى روافد وأنهار فرعية تغذي مشاريع الإسالة في المدن.

 

في الجنوب، تسجَّل أعلى مستويات الضرر؛ فالبصرة ومحيطها تعرضت خلال السنوات الأخيرة إلى ارتفاع حاد في الملوحة والتلوث الكيميائي، ما أدى إلى حالات تسمم جماعية ودخول عشرات الآلاف إلى المستشفيات، فيما أظهرت دراسات على شط العرب وجود نسب مقلقة من النحاس والرصاص والزئبق والمعادن الثقيلة الأخرى التي تمثل "تحديًا صحيًا وبيئيًا كبيرًا" للسكان.

 

في وسط البلاد، كشفت دراسات على نهر دجلة وبعض الأحواض الجوفية أن المياه "ملوثة بدرجة عالية بالمعادن الثقيلة"، وأن نحو 78٪ من عينات المياه الجوفية مصنَّفة ملوثة بشدة و22٪ ملوثة بدرجة متوسطة وغير صالحة للشرب، وفق مؤشرات التلوث بهذه المعادن.

 

أما في نهر الديوانية، فقد بيّنت دراسات متخصصة أن تركيز النيكل وصل في بعض المواقع إلى قرابة 0.374 ملغم/لتر، أي أعلى بعدة مرات من الحدود التي تعتبرها منظمة الصحة العالمية آمنة لمياه الشرب، ما يعني خطر تسمم مزمن على المدى الطويل، خصوصًا على الكلى والجهاز العصبي.

 

ولا تقف المشكلة عند التلوث الكيميائي؛ إذ أظهرت ورقة علمية عن تفشي الكوليرا في العراق عام 2022 أن ضعف إمدادات الماء الصالح للشرب دفع الناس للاعتماد على صهاريج وآبار غير منظمة، وأن فحص 608 عينة من خزانات المنازل والآبار والصهاريج في شمال البلاد كشف عن مصادر ملوثة مرتبطة بالوباء، أي أن الماء نفسه كان جزءًا من سلسلة انتشار المرض.

 

البصرة نموذجًا: حين يتحول الماء إلى أزمة صحية جماعية

في صيف 2018، شهدت البصرة واحدة من أخطر أزمات المياه في تاريخها الحديث؛ حيث دخل أكثر من 118 ألف شخص إلى المستشفيات بسبب أعراض مرتبطة بمياه الشرب، من إسهال وقيء وطفح جلدي ومغص حاد، وفق تقارير حقوقية وصحية دولية.

 

حمّلت منظمات حقوقية السلطات مسؤولية "فشل مستمر منذ نحو 30 عامًا في توفير مياه شرب آمنة"، بعد أن اختلطت مياه الإسالة بالمجاري، وارتفعت ملوحة المصدر، وتكدست النفايات الصناعية والزراعية في مجرى شط العرب، لتصبح البصرة مثالًا حيًا على ما يمكن أن يحدث في أي محافظة إذا انهارت منظومة معالجة المياه أو خرجت عن السيطرة.

 

بغداد في قلب المشهد: تحذيرات عادل المختار

على هذه الخلفية الوطنية المثقلة بالمخاطر، يطلق الخبير في شؤون المياه والبيئة عادل المختار تحذيره بخصوص العاصمة. فقد حذّر المختار، من "تدهور ملحوظ في نوعية مياه الإسالة في عدد من مناطق العاصمة بغداد، مؤكدًا تسجيل شكاوى متزايدة من المواطنين بشأن تغير طعم المياه وظهور روائح كريهة، ما يثير مخاوف صحية وبيئية جدية".

 

وقال المختار لـ"بغداد اليوم" إن "ما يجري رصده في بعض أحياء بغداد يشير إلى خلل واضح في منظومة إنتاج ونقل مياه الإسالة، سواء على مستوى محطات التصفية أو شبكات التوزيع القديمة والمتهالكة، والروائح غير الطبيعية غالبًا ما تكون ناتجة عن تلوث عضوي، أو اختلاط المياه الصالحة بمياه الصرف الصحي، أو ركود المياه داخل الأنابيب بسبب ضعف الضخ".

 

وأضاف أن "تقادم شبكات المياه، ووجود كسور غير مكتشفة في الأنابيب، إلى جانب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، كلها عوامل تسهم في تدهور نوعية المياه الواصلة إلى المنازل، فيجب الحذر من استخدام هذه المياه للشرب أو الطبخ دون معالجة إضافية قد يعرض المواطنين، خصوصًا الأطفال وكبار السن، لمخاطر صحية متعددة".

 

وبيّن المختار أن "رائحة الكبريت أو العفن التي يشكو منها المواطنون تدل في بعض الحالات على نمو بكتيري داخل الشبكات أو الخزانات المنزلية، وفي حالات أخرى قد تكون مؤشرًا على ضعف نسب التعقيم بالكلور داخل محطات الإسالة، ولهذا على الجهات المختصة إجراء فحوصات مختبرية عاجلة ومعلنة لعينات المياه في المناطق المتضررة".

 

وختم الخبير في شؤون المياه والبيئة قوله إن "على المواطنين تنظيف خزانات المياه المنزلية بشكل دوري، واستخدام وسائل تعقيم أو فلاتر مؤقتة، وعدم الاعتماد على مياه الإسالة للشرب في حال استمرار الرائحة".

 

تفاوت جغرافي.. لكن القلق واحد

الدراسات المتاحة ترسم خريطة غير متجانسة، لكنّها متشابكة في النتيجة:

 

الجنوب (البصرة، ذي قار، ميسان وأجزاء من واسط): تلوث شديد، ملوحة ومعادن ثقيلة، خاصة في شط العرب والمياه الجوفية، مع سجل من التسممات الجماعية.

 

المركز (بغداد وما حولها): دجلة يحمل خليطًا من مياه مجارٍ غير معالجة، ومخلفات صناعية وطبية ونفايات صلبة، مع تلوث واضح بالمعادن الثقيلة.

 

الشمال والغرب: شحّ في الموارد، اعتماد كبير على الآبار والصهاريج، وضعف رقابة، ما يرفع احتمالات التلوث الميكروبي والكيميائي، كما ظهر في أوبئة الإسهالات والكوليرا.

 

من أزمة صحية إلى اقتصاد ماء موازٍ.. وهل هناك تواطؤ؟

هذا الواقع خلق سلوكًا جماعيًا واضحًا: المواطن العراقي لا يثق بمياه الإسالة، ويلجأ إلى:

 

شراء مياه معبأة من معامل التنقية (RO)،

 

الاعتماد على قناني الماء التجارية،

 

أو غلي المياه واستخدام فلاتر منزلية، مع أن جزءًا من هذه البدائل نفسها لا يخضع لرقابة صارمة.

 

هنا يظهر سؤال الشارع: هل ترك منظومة الإسالة بهذا المستوى من التدهور يخدم، بشكل مباشر أو غير مباشر، أصحاب معامل المياه الأهلية؟

 

حتى الآن لا توجد أدلة رسمية على "قرار مقصود" بإضعاف مياه الإسالة لصالح السوق الخاصة، لكن تقاطع عوامل عدّة – من ضعف الاستثمار في البنى التحتية، وغياب الشفافية في الفحوص، ووجود سوق ضخمة ومربحة للمياه المعبأة – يجعل من السهل الحديث عن "تواطؤ بنيوي":

 

دولة عاجزة أو متهمة بالفساد في إدارة الماء.

 

قطاع خاص يستفيد من فراغ الثقة ويتوسع دون رقابة كافية.

 

مواطن مجبر على شراء الماء كي يحمي عائلته من التسمم.

 

بهذا المعنى، قد لا يكون التواطؤ قرارًا مكتوبًا بقدر ما هو نتيجة منظومة مختلّة تسمح بتحويل حق أساسي كالماء إلى سلعة باهظة، من دون ضمان حقيقي لسلامة البدائل نفسها.

 

ما بين الحنفية وقنينة الماء.. الفاتورة مفتوحة

تجمع المؤشرات الدولية والمحلية على حقيقة واحدة: الوصول إلى مياه الإسالة في العراق لا يعني الحصول على ماء آمن. فالمخاطر لا تتوقف عند الإسهالات الموسمية، بل تمتد إلى سُمّية مزمنة بفعل المعادن الثقيلة، وتأثيرات عميقة على صحة الأطفال وكبار السن، في وقت يتوسع فيه اقتصاد الماء الموازي على حساب ثقة الناس بالدولة.

 

في ظل هذه الصورة، تبدو تحذيرات عادل المختار من روائح كريهة وتغيّر في طعم مياه الإسالة في بغداد جزءًا من مشهد أكبر، يحتاج إلى إجابات واضحة:

 

متى ستُجرى فحوصات مختبرية مستقلة ومعلنة لعينات مياه الإسالة في كل محافظة؟

 

من يراقب معامل المياه الأهلية التي تحوّلت إلى شريان حياة للسكان؟

 

والأهم: متى يعود المواطن العراقي قادرًا على شرب ماء حنفية بيته من دون خوف أو حسابات إضافية؟

 

إلى أن تُجاب هذه الأسئلة، سيبقى الماء – في أنابيب الإسالة وقناني البلاستيك – واحدًا من أكثر الملفات حساسية وإلحاحًا في الحياة اليومية للعراقيين.

 

تقرير: محرر قسم الشؤون المحلية في بغداد اليوم