باص الخشب ودرب ابو الخصيب

المجموعة: الفضاء الحر
تم إنشاءه بتاريخ الإثنين, 14 كانون1/ديسمبر 2020 01:16
نشر بتاريخ الإثنين, 14 كانون1/ديسمبر 2020 01:16
كتب بواسطة: ناظم
الزيارات: 286

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏سماء‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

 

كتب / ابراهيم السليم :

كتب قبلي بعض الإخوان عن باص الخشب في لواء البصرة ، و كان هذا الباص أهم واسطة نتنقّل بها من المركز إلى ضواحي و قرى البصرة و كان منتشراً في خطوط متعددة ففي ساحة ( أم البروم ) سرَا ( مراگين و شط الترك ) و في منطقة ( باب الزبير ) سرَا ( الزبير ) و في شارع ( سوگ التنانير ) سرَا ( الومبي و الصبخة و الفَيصلية ) و في العشار ( سوگ الخضارة) سرَا ( باصات الگرنة و الشعيبة) أما گراج ( الفاو و بلخصيب ) قرب ( بيت عدس ) .

و من منا لم يتمتع برحلة جميلة و يستقل هذا الباص من العشار إلى بلخصيب في طريقٍ طوله ( ٢٥_ ٣٠ ) كم تقريباً بين بساتين النخيل و يعبر الأنهار التي تفصل القرى و هي تخترق هذا الطريق و منبعها شط العرب ، و كان كل جسر لا يسع إلا لباص واحد فقط ، و لكن كل الذين كتبوا عن هذا الباص التراثي أهملوا ( السِكن ) و قصته مع هذا الدرب فأحببت أن أُحي ذكراه في هذا المقال و يحضرني ( حميد أو إحميّد ) و هو يعمل في باص عمه ( عثمان الدبيچل ) ذلك الشاب الذي يجلس على ( المدگر ) و هو يفتح الباب الوسطاني قليلاً متكأً على ساعده بعد أن يجمع ( الكروه ) و هي ( ٣٠ فلس ) من الركاب المتجهين من العشار إلى بلخصيب ، و لأن الطريق طويل تغطيه النخيل و الأشجار مما تحجب الرؤيا و لا يستطيع بعض الركاب تشخيص القرى الممتدة على جانبي الطريق و هي متشابهة بالمداخل يكون هذا الشاب هو الدليل فيبدأ في المنادات بصوت عالي و كأنه في حافلة فيها عشرات الركاب بل أنه صندوق خشبي لا يتجاوز طوله ( ٣ أمتار ) و عرضه ( متر و نصف ) و يحمل ١٨ راكب . و النساء يحملن ( الزبلان) و ( علاليگ الخوص ) و أنت تسمع صياح الديوچه و الدياي و البشوش المقيدة داخل ( الزبلان ) ، يبدأ السِكن بنداءاته بعد أن يعبر منطقة ( البراضعية ) و هو يحفظ أسماء القرى جميعها : ( مناوي باشكاتب ، إشتيّه ) ، ( دورة بريج ، صرّايي ، عوسيان ) ، ( برهامة ، بهادريّة ، محولة الزهير ، أبو اليوزي ) ، ( مهيجران ، الفيّه ، گنطرة حرب ، الگريّه ، كوت ثويني ) ، ( يوسفان ، المعيبر ، حمدان بلد ) ، ( المنيخ ، طريق سيد حامد ) ، ( المحيلّه ، السبيليّات ) ، ( الصنگر ، أبو مغيره ، نهر خوز ) و هكذا يصل إلى بلخصيب و عذراً إن نسيت قرية .

أن الشهادة المؤهلة لهذه الوظيفة هو حفظ أسماء هذه القرى بتسلسلها ، إذا وصل أحد الركاب إلى قريته يصيح ( نازل) فيكرر السِكن هذه العبارة لدريول و يفتح الباب و يحمل الزبيل و ينتظر المرأة عند نزولها ليضعه فوق رأسها و إن كانت تقصد الجانب الآخر فيحمله عنها و يؤمن لها عبور الشارع ثم يأتي و يصيح ( حرّك ) و هكذا يتعامل بإنسانية مع كل الركاب . مع الأسف الشديد نحن الآن نتحسر على تلك الأيام الجميل التي ذاب وجودها ، ذهب الباص و ضاع الشارع و ضاعت الإنسانية و تغيرت الأخلاق و لم نحافظ حتى على نخيلنا .