

كل عراقي له قصة ظلم مع صدام .. تجربة قسم الأحكام الخاصة
في هذه الحلقة، يواصل أسعد العيداني سرد تجربته داخل سجن الأحكام الخاصة، موثقًا الأحداث التي مر بها في تلك الحقبة القاسية، حيث كان السجن أشبه بعالم مغلق تحكمه قوانين بوليسية صارمة، وروابط اجتماعية جمة بين المعتقلين الذين جمعتهم المعاناة رغم اختلاف مشاربهم.
الدخول إلى عالم الأحكام الخاصة
يقول العيداني : حينما وجدتُ نفسي بين جدران هذا القسم، شعرتُ وكأنني أُلقيت في مجتمع له تاريخه ونظامه الخاص، حيث لا يُقبل القادم الجديد بسهولة، خاصة بين أولئك الذين قضوا سنوات طوالًا في هذه الزنازين. كانوا رجالًا يحملون ذاكرة مليئة بالأحداث والمآسي، تشكّلت شخصياتهم وفق تجربة قاسية من الاعتقال والقهر.
ويضيف: تم وضعي في غرفة الإيزيدية رقم 18، حيث عشت مع أشخاص كانوا في غاية الطيبة والودّ، رغم الألم الذي حملوه في قلوبهم. كانوا جميعًا معارضين للنظام، وحين كانت تحلّ مناسباتهم الدينية، كان السيد الطباطبائي يأتي لزيارتهم، يجلس معهم، ويبارك لهم في أعيادهم، وكأن السجن تحوّل إلى عراق مصغر، يضم مختلف الطوائف والانتماءات السياسية.
السجن... ليس للمجرمين بل للمعارضين
ويؤكد العيداني في مذكراته متحدثا: لم يكن سجن الأحكام الخاصة يضمّ مجرمين، بل كان مكانًا جمع معارضي النظام الديكتاتوري، كلٌّ منهم بطريقته. تجد فيه الشيعة والسنة، وأفرادًا من حزب البعث، وحتى شيوعيين معارضين لصدام. كان هناك سجناء من حزب الدعوة، أمثال السيد عقيل، والسيد عزيز (رحمه الله)، والسيد صاحب من كربلاء، والسيد إبراهيم، الذين كانوا من قدامى الحزب. معظمهم حُكم عليهم بالإعدام، لكن أُعيد تخفيف أحكامهم لاحقًا.حتى بين النزلاء، كان هناك أشخاص من البدو، سُجنوا بسبب قضايا مرتبطة بسوريا، وحُكم عليهم بالإعدام ظلمًا وتعسّفًا. بعض الاشخاص كان محكومًا بالموت بسبب نكتة أو فكاهة قالها في غير موضعها، وهو ما يُبرز مدى قسوة النظام.
مرحلة تخفيف الأحكام والتغيرات داخل السجن
ويتابع : مع مرور الوقت، بدأت أحكام بعض السجناء تخفّف، وخاصة المحكومين بالإعدام الذين لم يُرسلوا إلى قاطع الإعدام، بل صدر بحقهم العفو عام 1995، فنُقلوا إلى قسم الأحكام الخاصة. ومع تزايد الأعداد، أصبح السجن أشبه بنسيج عراقي متكامل، يجمع كل أطياف المجتمع في مكان واحد.عندما دخلتُ، كنتُ أصغر السجناء سنًا مقارنة بالذين أمضوا نصف أعمارهم هناك. كان أول من وصل إلى السجن قبلي هو ثامر سلطان، لكنه لم يُودع القسم مباشرة، بل وُضع في غرفة خاصة، ثم بدأ إنزال بقية المحكومين لاحقًا. من بين هؤلاء:
الحاج هاشم فنيان (أبو الاء الولائي)
السيد رياض
علاوي عودة
جاسم مدلول الكرمشي
ولفت العيداني ان هؤلاء الفتية ، جميعهم من البصرة، وقد خُفّفت أحكامهم لاحقًا. ويسرد ظاهرة التماسك والاخوة والتآزر التي كانت تجمعهم كأخوة وعراقيين ، ويذكر انسانية احد المحكومين وهو : ثامر سلطان، من سكنة محافظة تكريت، إذ كان يوصل الطعام للسجناء الذين تم تخفيف أحكامهم، رغم خطورة هذا العمل عليه ، حيث يتألم لرؤيتهم في العزل.
انضمام عشائر الجبور وجماعات جديدة
مع مرور الوقت، ازداد عدد السجناء. جاءت مجموعة من عشيرة الجبور، كانت لهم قضية مرتبطة بجماعة "أبو قريش"، تبعهم أبو خالد (رحمه الله)، وكذلك علي زغير، الذي سمعت لاحقًا أنه توفي في السجن داخل قاطع الإعدام بعد سنوات من المعاناة، فقد كان مشلولًا لكنه شخصية رائعة.
لاحقًا، جاءت مجموعة جديدة تُعرف بـ "دعوة محمد مظلوم"، وكان من بينهم خالد السعدون، وأبو عبد الله من العلم. كما التحق بنا سجناء من الموصل، مثل رياض الطيار، وبدأت الأعداد تتزايد بشكل كبير.
هيكلية السجن وأوضاعه الداخلية
كان قسم الأحكام الخاصة يضم 20 غرفة موزعة على طابقين:
10 غرف في الطابق الأرضي
10 غرف في الطابق العلوي
وتابع : لاحقًا، تم افتتاح قسم ثانٍ، وكان الدكتور عبد الكريم هاني، الذي كان وزير العمل والشؤون الاجتماعية في عهد عبد الكريم قاسم، وقيل انه مشرفًا على بناء الغرف الجديدة في المعتقل ، لكنه انتهى به الأمر معتقلًا في نفس السجن الذي أشرف على توسعته!
السجن... صورة مصغرة لظلم النظام
ويؤكد العيداني : في النهاية، لم يكن هناك تمييز بين السجناء، فالجميع كانوا ضحايا القمع، وهذا ما يجب أن يفهمه الجميع: النظام لم يكن يظلم فئة معينة فقط، بل سحق كل العراقيين، سواء كانوا شيعة أو سنة أو أكرادًا. لقد كانت سياساته الطائشة سببًا في المآسي التي حلت بالبلاد، من الحروب المستمرة مع الجيران إلى تفكيك المجتمع من الداخل.