

كتب : ناظم الجابري- رئيس التحرير :
في هذه الحلقة يروي العيداني لحظات تاريخية مهمة في شهادة من قلب الأحداث كيف عاشها بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت بعد حرب عاصفة الصحراء عند بدأ شرارة الانتفاضة الشعبانية في البصرة ، التي سرت بسرعة كبيرة جداً في أنحاء العراق وامتدت لتشمل أربعة عشر محافظة عراقية من أصل ثمانية عشر عدد محافظات العراق ، وسميت بالانتفاضة الشعبانية لقيامها في شهر شعبان من العام الهجري. ويروي تفاصيل قادتها الابطال الذين قادوا حلقات الثوار المنتفضين على نظام صدام في انتفاضة 1991 في البصرة فيقول :
بدأت الانتفاضة الشعبية في البصرة عام 1991 على أيدي شباب متدينين معارضين للنظام الحاكم ، وكانت شرارتها الأولى في منطقة الحيانية. لم يكن هناك قيادة مركزية واضحة، بل كانت حركة عفوية قادها شباب معظمهم في العشرينات من العمر. من بينهم رجلٌ يدعى عبد الباري فائق ( أبو شيماء) ، الذي كان قد فرَّ من السجن مع مجموعة من السجناء خلال الحرب، إضافة إلى قيادة مجموعة من الشباب لمجاميع من المنتفضين ضد السلطة الحاكمة ، أمثال الشهيد "عبد علي، ناصر، وعادل، ومقداد ، واحمد فنجان ، واخرين من الفتية الثوار. هؤلاء لم يكونوا مرتبطين بأي تنظيم خارجي، بل تحركوا بدافع الغضب على الظلم والاستبداد ، وطلب الحرية ، وكسر شوكة الدكتاتورية .
ويحدد العيداني في هذا الاطار مكان انطلاق شرارة الانتفاضة الشعبية لينقل لنا صورة اندلاعها حيث كانت نقطة البداية في مركز شرطة شارع القسم في منطقة الحيانية ، حيث اقتحم الشباب المركز وبدأت المواجهات مع قوات الأمن. ومع انتشار أخبار الانتفاضة، كالنار في الهشيم ، توسعت رقعة الانتفاضة، وعمَّت مختلف أحياء ومناطق البصرة. كنت أعيش حينها في منطقة الجمعيات بالقرب من الحيانية، ولم أكن أعرف هؤلاء الشباب شخصياً حينها، لكنني تعرفت إليهم لاحقاً أثناء الانتفاضة الشعبية. وكنت أجيد استخدام السلاح والسباحة بسبب نشأتي في الريف.
ويتابع : مع تصاعد الأحداث، بدأت الناس بالخروج إلى الشوارع، يحطمون تماثيل وصور (صدام) ويعلنون رفضهم لحكمه الجائر. كانت هذه اللحظة فارقة في تاريخ العراق، فقد تحطم حاجز الخوف، وأصبحت الانتفاضة صوتاً واضحاً ضد الدكتاتورية. وفي هذه الاثناء كان الجيش العراقي، المنهك بسبب الضربات الجوية الأمريكية والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، في حالة ضعف، مما ساعد على اتساع رقعة الانتفاضة. وفي خضم ذلك، بدأ بثّ إذاعة المعارضة العراقية رغم التشويش، وكان أول ما تلقاه الناس ولأول مرة يشاهدوها هو صورةً للسيد محمد باقر الحكيم، التي اعتبروها رمزاً للانتفاضة.كانت البصرة مليئة بالمعارضين السياسيين، وكثيرٌ من أبناءها كانوا جزءاً من فيلق بدر، الذي دخل العراق لاحقاً عبر الحدود الإيرانية. ومع ذلك، فإن التحول الأكبر كان في موقف النظام، الذي وجه للحرس الجمهوري بقمع الانتفاضة الشعبية بوحشية. علي حسن المجيد، ( الجزار) الذي قاد عمليات القمع في البصرة، أشرف شخصياً على تنفيذ الإعدامات الجماعية في الشوارع، حيث تحولت المدينة إلى مسرح للدماء، واستخدم الجيش في بعض المواجهات مع الثوار المعارضين في البصرة الى ضربهم بالأسلحة المحرمة دوليا ، لكبت وكسر مقاومة الثوار ، كانت الإعدامات تتم أمام الناس دون محاكمة. لاحقاً، عُثِر على مقابر جماعية في الحيانية وشمال البصرة ، ومناطق أخرى، كشاهد على حجم المجازر التي ارتُكبت.
ويضيف العيداني انه مع اشتداد القمع والتنكيل والقتل ، كان الخيار الوحيد أمام المنتفضين هو الهروب إلى إيران. لم يكن عبور الحدود بالأمر السهل، لكنه كان السبيل الوحيد للنجاة من الإعدام. عبرتُ الحدود مع مجموعة من الأقارب والأصدقاء، من بينهم محمد ريسان ، الذي أُعدم لاحقاً، ومقداد الحلفي، وسيد صفاء البطاط، وسيد أحمد واياد ومسلم ونزار. كثيرٌ من العوائل البصرية لجأت إلى إيران، حيث استقر بعضهم في مخيمات اللاجئين، بينما انضم آخرون إلى المعارضة المسلحة.